روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
89
عرائس البيان في حقائق القرآن
مقام الصحو والتمكين الذي يقدر صاحبه أن يخبر من الحق وأسراره بعباده لا يكون شفيعه في موازين العلم ، وهذا حال تبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « أنا أفصح العرب « 1 » » ، « وبعثت بجوامع الكلم » « 2 » ، وهذا قدرة قادرية اتصف بها العارف المتمكن الذي بلغ مقام مشاهدة الخاص ومخاطبة الخاص ، وكان موسى في محل السكر في ذلك الوقت ، ولم يطق أن يعبر عن حاله كما كان ؛ لأن كلامه لو خرج على وزان حاله يكون على نعوت الشطح عظيما في آذان الخلق ، وكلام السكران ربما يفتتن به الخلق ؛ لذلك سأل مقام الصحو والتمكين بقوله وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ؛ لأن كلامه كان من بحر المكافحة والمواجهة الخاصة التي كان مخصوصا بها دونه . قال أبو بكر بن طاهر : هو أفصح مني لسانا ؛ لأنه لم يسمع خطابك ولم يخاطبك ؛ فهو أفصح مني لسانا مع الخلق ، كيف أكون معهم فصيحا وسمعت لذة كلامك ؟ وكيف أخاطبهم مع مخاطبتك ؟ وكيف أجعل لهم وزنا مع ما أدبتني وخصصتني به ؟ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً معهم وأحسن بيانا لهم ، إني لم أستلذ مخاطبة بعدك ، ولم ألتذ بكلام غيرك وأنشد : هل كنت تعرف سرّا يورث الصّمما * أصمّني سرّهم أيام فرقتهم [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 35 إلى 45 ] قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 ) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 )
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 232 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1087 ) ، ومسلم ( 1 / 371 ) .